أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
101
العقد الفريد
قال عليّ : ويلك يا ابن الكوّاء ! هل بعث عمرا غير معاوية ؟ وكيف أحكّمه وحكمه على ضرب عنقي ؟ إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك ، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر اللّه ؛ أرأيت لو أن رجلا مؤمنا تزوج يهودية أو نصرانية فخافا شقاق بينهما ، ففزع الناس إلى كتاب اللّه وفي كتابه : فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها « 1 » ، فجاء رجل من اليهود ورجل من النصارى ورجل من المسلمين الذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب اللّه ، فحكما . قال ابن الكواء : وهذه أيضا ، أمهلنا حتى ننظر . فانصرف عنهم علي ، فقال له صعصعة بن صوحان : يا أمير المؤمنين ، ائذن لي في كلام القوم . قال : نعم ما لم تبسط يدا . قال : فنادى صعصعة ابن الكواء ؛ فخرج إليه فقال : أنشدكم باللّه يا معشر الخارجين ، أن لا تكونوا عارا على من يغزو لغيره ، وأن لا تخرجوا بأرض تسمّوا بها بعد اليوم ، ولا تستعجلوا ضلال العام خشية ضلال عام قابل . فقال ابن الكواء : إنّ صاحبك لقينا بأمر قولك فيه صغير ، فأمسك . قالوا : إن عليا خرج بعد ذلك إليهم فخرج إليه ابن الكواء ، فقال له علي : يا ابن الكواء إنه من أذنب في هذا الدين ذنبا يكون في الإسلام حدثا استتبناه من ذلك الذنب بعينه ، وإن توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه ، وضلال ما دخلت فيه . قال ابن الكواء : إننا لا ننكر أنا قد فتنّا . فقال له عبد اللّه بن عمرو بن جرموز : أدركنا واللّه هذه الآية ألم أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ « 2 » . وكان عبد اللّه من قراء أهل حروراء ، فرجعوا فصلوا خلف عليّ الظهر ، وانصرفوا معه إلى الكوفة ، ثم اختلفوا بعد ذلك في رجعتهم ولام بعضهم بعضا ، فقال زيد بن عبد اللّه الراسي ، وكان من أهل حروراء ، يشككهم : شككتم ومن أرسى ثبيرا مكانه * ولو لم تشكّوا ما انثنيتم عن الحرب وتحكيمكم عمرا على غير توبة * وكان لعبد اللّه خطب من الخطب
--> ( 1 ) سورة النساء الآية 35 . ( 2 ) سورة العنكبوت الآية 1 و 2 .